البروفيسور أسعد غانم يكتب : المؤتمر الوطني الفلسطيني – نحو اجندة فلسطينية فاعلة
يعقد في الدوحة يوم الاثنين القادم (17 فبراير) المؤتمر الوطني الفلسطيني، وهو عبارة عن تتويج لجهود فلسطينية متفرقة جرت خلال العقود الثلاثة منذ أوسلو وتكثفت في اعقاب الانقسام الفلسطيني،
البروفيسور أسعد غانم - تصوير: قناة هلا وموقع بانيت
لكنها تعاظمت مع بدء الحرب الإسرائيلية على غزة. المهم ان هذا المؤتمر قد يتحول الى محطة مفصلية لتقييم الأوضاع الفلسطينية وسبل الخروج من هنا، ولو بأمل بسيط او بالقليل من الأفكار التي من الممكن ان تساهم في استمرار الحوار الفلسطيني لأجل الذهاب الى مستقبل مختلف عما سبق، مستقبل يحمل املا بإمكانيات شعبنا في تحقيق أهدافه الوطنية. قاد التحضيرات وترتيب اجندة المؤتمر مجموعة مميزة من النشطاء الفلسطينيين، أصحاب ارث نضالي كبير، وحضور مركزي في النقاشات الفلسطينية، وتتكاثف تجربتهم بوجود المئات من النشطاء المركزيين، في التحضيرات وفي المؤتمر نفسه.
" العقدة المركزية "
العقدة المركزية في هذا المؤتمر تتعلق بضرورة خروجه بأفكار تستطيع ان تحمل امل فلسطيني متجدد وامل يأتي على خلفية أصعب وضع فلسطيني منذ سنوات النكبة وما تلاها، وهذا يضع المؤتمرين في وضعية صعبة تتطلب اجتراح أفكار قد تساهم في نشل الوضع الفلسطيني. ليس بالضرورة ان تكون الأفكار ثورية وغير مسبوقة، ولا ان تكون تاريخية، بل المهم ان تكون قابلة للتنفيذ وباعثة للأمل. ليس المطلوب نقاش الدولة او الدولتين ولا الحلول السياسية ولا أفكار ومشاريع التحرر والتحرير، أيا كانت، بل بالأساس المهم هو سؤال كيف نثبت شعبنا وكيف نساهم في أفكار عملية تخرجنا من ورطتنا الحالية؟. اعتقد بان القيمين على المؤتمر يعون جيدا ان الوضع الفلسطيني والإسرائيلي والدولي لا يساعد في خروج الفلسطينيين من انكسارهم الحالي، الا انني على ثقة بانهم يدركون بان شعبنا حي وقادر على عبور المرحلة، وان الأفكار موجودة، والمهم هو تنظيمها لتتحول الى رزمة متناسقة قد تؤتي بثمار باعثة للأمل وللانطلاق الوطني.
بعد تقديم كل الحيثيات التي تستوجب تفكير فلسطيني مركز ومعمق ومسؤول حول الوضع الفلسطيني، وذكر الجرائم الإسرائيلية والعنجهية الامريكية والتردي الداخلي وسرد عوامل الامل من حيث القوة الكامنة لدى الشعب الفلسطيني والدعم الشعبي في العالم والالتفات الواضح في مؤسسات دولية لدعم نضال الشعب الفلسطيني ومعاقبة إسرائيل على جرائمها، امل ان لا يستغرق المؤتمرون في تفصيل هذه المسائل، لأنها معروفة ولا حاجة لترديدها مرة أخرى وخصوصا ان كل من حضر، او شارك في التحضيرات يعرف تمام كل هذه الحيثيات.
رأيي بان المؤتمر مهم ان يركز على ثلاثة مفاصل مركزية. المفصل الأول واورده مقتضبا، يتعلق في كيفية استثمار الفلسطينيين للدعم الشعبي والدولي لقضيتهم وعدم تبديد هذا الدعم بدون أي استثمار وطني ومنسق. المفصل الثاني يتعلق في كيفية خروج المؤتمر في أفكار عينية تساهم في تعضيد الصمود الفلسطيني في ظل وضع فلسطيني متردي، دعم عربي يتراجع او يحاول استثمار الوضع الفلسطيني لتحسين مواقع الدول العربية على حساب الفلسطينيين وقضيتهم، ووضع دولي تقوده الدولة الأهم، الولايات المتحدة، والذي يتضمن مواقف وسياسات تتماهى مع سياسات ومواقف اليمين الفاشي في إسرائيل، كما الوضع الإسرائيلي الذي ينضح بالاستعلاء والفاشية وسياسات الاستعمار الاستيطاني وصولا الى سياسات التطهير العرقي والقمع اليومي في غزة والضفة والداخل.
" تغيير جذري "
أفكار "الصمود الإيجابي" هي المفتاح في هذا المجال. فشل مساري المفاوضات حسب اوسلو والحل العسكري بطريقة "طوفان الأقصى"، يتطلب تغييرا جذريا في الترتيبات الفلسطينية. إسرائيل تحاول بوسائل شتى ابعاد الفلسطينيين عن وطنهم ويدعمها الرئيس الأمريكي بأفكار ترانسفيرية وتهديدات بفتح "باب جهنم" ويقوم جيشها ومستوطنوها ومؤسساتها الأمنية والسياسية بتنفيذ سياسات محددة في هذا السياق. المطلوب إعادة الاعتبار "للصمود الإيجابي" أي رفد الواقع الفلسطيني بسلة كبيرة من النشاطات والجهود لتعضيد الوجود وتعميق التمسك بالوطن، مع إعطاء الناس املا في هذا البقاء والوجود، وخلق حالة من الثقة المتبادلة بين الناس، وبينهم مع قياداتهم ونخبهم. التاريخ الفلسطيني في ال-48 وفي الضفة وغزة والقدس وفي المخيمات يزخر بأمثلة نستطيع التعلم منها. من المهم إعادة الاعتبار للصمود الإيجابي وللتكاثف الاهلي، الذي يضيف على البقاء والتشبث أفكارا عن المقاومة الشعبية الاهلية، التي لا تسمح باستنزاف قدرات شعبنا ولا توفر اعذارا لإسرائيل وللولايات المتحدة للاستمرار في غيهم وسياساتهم الترانسفيرية. لدى شعبنا قدرات إنسانية ومادية تؤهله للقيام بذلك وبجداره، المهم هو تنظيم الأفكار ووضعها قيد التنفيذ، وهذا ممكن ونستطيع القيام به، في اراضي ال-48، وفي غزة وفي الضفة وفي القدس.
المفصل الثالث، وهو الأهم من حيث اجندة المؤتمر، يتعلق في إعادة الاعتبار لسيرورة السياسة الفلسطينية، لشكل ومضمون اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات التي تحمي الشعب الفلسطيني وتقدمه الى الامام، فلسطينيا واسرائيليا وعربيا ودوليا. اعترف بانني انزعجت من بعض الأفكار التي ناقشت التحضيرات للمؤتمر ومنها تلك التي تنادي بتنسيب قيادة فلسطينية جديدة، او بالتعلم من تجربة انتقال السلطة الى حركة فتح عام 1968، او مطالبة حماس بقيادة المرحلة او لوم قيادة رام الله ومدح حماس – أي عدم توجيه النقد لكل القيادات والفصائل، وكلها شريكة في ايصالنا لوضعنا الحالي ومهم نقدها جميعها، بما في ذلك المشاركة بالمؤتمر. كما لم استسغ فكرة نقل السلطة داخل منظمة التحرير كما حدث عام 1968، فالفلسطينيون اليوم ليسوا ما كانوا عام 1968، وفتح اليوم ليست ما كانت عام 1968، وفتح ال-68 تختلف جذريا عن حماس اليوم، واخفاقات حماس هائلة وباهضه الثمن وهي مختلفة جوهريا عن حركة فتح التي كانت تشبه شعبها، وقيادة فتح آنذاك لا تضاهيها قيادات الفصائل اليوم.
منظمة التحرير موجودة والدخول في نقاشات حول شرعيتها لا يفيد، ولن يقدمنا قيد انملة، بل قد يسحبنا للخلف، وليس في مثل هذا المؤتمر اية أدوات تؤهله لقيادة شعبنا ولا لاقتراح بدائل سياسية لقيادة شعبنا. المطلوب من المؤتمر أي يفكر في الأدوات أكثر وفي الغايات اقل. طرح أفكار في كيفية إعادة الاعتبار للمؤسسات التمثيلية والوطنية لعموم الفلسطينيين هي المفتاح، المهم اقتراح أفكار لجعل المؤسسات السياسية تمثيلية بشكل حقيقي لشعبنا، عندها، واذا تم ذلك سيتغير المضمون حتى بغير تغيير العناوين. أفكار الانتخاب المباشر والشفافية وعدم القبول بالشرعية الثورية، لان بدائلها موجودة، هو مفتاح جدي في طرح أفكار يمكن تداولها وتنفيذها وممكن اقناع الفلسطينيين بالانخراط بها، وكسب دعم عربي ودولي لذلك.
" سيرورة وطنية "
المؤتمر قادر على بلورة هذه الأفكار، وعدم "الدخول بالحيط" مع الموجود، هو الأساس. المهم طرح الوسائل التي تمكن شعبنا، وخصوصا الأجيال القادمة من بلورة سيرورة وطنية وديمقراطية وشرعية تقود شعبنا، تخطط وتنفذ باسمه وحسب مصالحة، وليس حسب مصالح الافراد وحفظ امتيازاتهم. مهم ان نتجاوز الماضي والحاضر، عدم السماح لممثلي السياسة القديمة، بما في ذلك كل الفصائل، في تصميم وإخراج الأفكار، عدم الوقوع في شرك كرم النظام العربي وعدم المفاضلة بين الأنظمة في بيانات المؤتمر، فجميعها متورطة في التنسيق الأمني والسياسي مع إسرائيل، مباشرة ام من خلال الولايات المتحدة، وطبعا مع الحفاظ على الود مع الدول والمجتمعات العربية، لكن بشرط الإصرار على استقلالية القرار والعمل الوطني الفلسطيني. كل ذلك ممكن، على الأقل من حيث الأفكار، ومن ثم استمرار المؤتمر او ما ينتج عنه في متابعة التنفيذ. شعبنا قادر، والمؤتمرون هم زبدة مهمة من أبناء شعبنا، وقادرون على طرح وإنضاج الأفكار وعدم السماح بالاستمرار في إضاعة الفرص واستمرار شعبنا في التيه.
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: bassam@panet.co.il
من هنا وهناك
-
السؤال : هل مصير العالم والشرق الأوسط تحت رحمة ترامب ؟
-
يوسف أبو جعفر يكتب : البيت الأسود
-
قراءة في كتاب مسعود غنايم ‘سخنين، مشاهد من تاريخ الإنسان وحكايات المكان‘ - بقلم : د. غزال أبو ريا
-
‘ الى متى هذا العنف ‘ - بقلم : محمد محمود جابر
-
يوسف أبو جعفر يكتب : أهبل المدينة
-
جنون العظمة لدى الحكّام هي الكارثة
-
د. سهيل دياب من الناصرة يكتب : تصريحات ابو مرزوق اقل تكتيكية واكثر استراتيجية !
-
كيف يؤثر نظام دكتاتوري على جريان المياه في النهر؟
-
مقال: الحرب والسلم وما بينهما! - بقلم : د. سهيل دياب
-
‘المهارات الحياتية‘ - بقلم: د. غزال أبو ريا
أرسل خبرا