logo

يوسف أبو جعفر من رهط يكتب : حتى نلتقي - الزوجة الثانية

14-02-2025 06:53:16 اخر تحديث: 21-02-2025 12:58:52

لا اعتبر نفسي كاتبًا ولا قاصًا، جل ما أفكر به أني أعطي قلمي حرية التعبير بين الحدود الأدبية التي تفاهمنا كمجتمع وكأمة عليها، لذلك تجد أن ما أكتبة يكون حيناً سياسة وحينًا اقتصاد وحينًا رواية أو قصيدة نثر تحاول محاكاة الشعر،

يوسف أبو جعفر - تصوير: قناة هلا وموقع بانيت

وأجد الراحة في الكتابة لأني في الغالب أعرف من يستلم كتاباتي لكني لا أعرف من يقرأ  ولا أجد لأحدٍ عذرًا مستدامًا لعدم القراءة ولا أحمل لأحدٍ غضبًا إن ترك القراءة نهائيًا ويعود ذلك لتنوع البشر والأمه لا تقرأ رغم كل الوسائل بل أكاد أجزم أن أولادنا يضيعون تحت وطأة البرامج التعليمية حتى أصبح الواحد فيهم جاهلًا بلغته الأم، ولقد استمرأنا العبرية والإنكليزية في كلامنا، واستسغنا مفرداتها وكأنها تعطي المعنى الأدق وهنا وجدت أن خير تشبيه هو أن العربية الزوجة الأولى والأجنبية الزوجة الثانية التي يخشى الجميع سطوتها فهي العهد الشبابي ودون ذلك القديم المعقد ووجدنا بكل هدوء أن الأولى ركن البيت وماضيه أهمل رغم كل إعلانات العالم ورغم كل قوانين العدل أضعنا البوصلة  وأغلق بعضنا باب القديمة ويكاد يرميها في الشارع.

والأمثلة كثيرة على معاملة الزوجة الثانية المتكبرة المتعلمة وأطفالها الذين لا يريدون أن يعرفوا عمتهم الأولى ويخشى أباهم أن يتعارف الأخوة فحصلت الجفوة وكبرت، حتى عاد التعرف على بيت الزوجة القديمة معضلة، ولأننا أصبحنا نخاف التعدد لا نعرف الوجهة الصحيحة فلا الزوجة الأولى ترضى بإدخال الأبناء والزوج إليها، ولا الزوجة الثانية ترى في القديم ما يحتاجه الأبناء وبين هذا وذاك تجد المد والجزر والحرب والمستشارين الذين يحاولون تذليل الصعاب، وتمهيد الطريق نحو الصلح المرتقب، لكن دون جدوى، قد يحصل أن تتقبل الزوجة الأولى الأولاد والأم الثانية وذلك فقط في نهاية الطريق عندما يدرك الجميع قرب النهاية، ويخشى الجميع من الضياع يصبح الصلح سيدًا ومتاحًا وعندها كما قال لي أحدهم يصبح الدور للأخوة وليس للزوج مكان.

هكذا ضاعت العربية وهكذا تضيع وكل فلاسفة العلم يطرحون يوميًا حلولًا تجارية في المقام الأول ولا علاقة لها بالعربية وفصاحتها فإنما كتاب هنا، كتيب هناك، رسالة دكتوراة هنا وماجستير هناك، دون جدوى ونسوا جميعًا أو قل تناسوا السر المكشوف في كل الرقي بأكمله وجماله أن الزوجة الأولى هي  أساس اللغات وأساس كل شيء فلن يستطيع طالب علم إجادة أي مادة وفهمها دون أن يكون استكفى زمن الرضاعة من الأم، فرضاعة اللغة  كرضاعة اللبن تسري فوائدها في كل الجسد وليس فقط في اللسان.

إن حقوق الزوجة الثانية أصبحت مكفولة بالقانون وبالنهج الذي أعطاها عهدًا ومواثيقًا دولية فلا دراسة ولا علم ولا قدرة على التواصل مع العالم بدون الزوجة الثانية والثالثة، ومن أراد أن يعطي انطباعًا على عامة ينهج نهج المغتربين فيلوي اللسان ويخفي الراء حتى تلفظ كحرف الغين هذا إن لفظت ليعلن أنه أبن للزوجة الثانية أو قل الأخرى لأنه ربما في قرارة نفسه لا يعرف الأولى بتاتًا، كل ما في الأمر أنه يقر بوجودها.

الزوجة الثانية قد تكون صالحة، قد تكون جميلة قد تكون شابة قد تكون كل شيء ولكنها لا تستطيع أن تكون الأولى حتى ولو ماتت الأولى فرقمها التعدادي هو الثانية وقد تعلمنا من تجارب الحياة أن الأول حريٌ به أن يصعد المنصة أولاً، فكيف قدمنا وخلطنا الأوراق ونريد أن نعيش الفصحى؟ كيف لجاهلٍ لا يفرق بين معاني المفردات أن يكتب قصيدة شعر واحدة.

وحتى نلتقي، هذه ليست ثورة ضد زواج الثانية بل هي صرخة ضد إهمال الأولى، ضد كل من يصارع ويقول أن العربية في وجدانه وقلبة ولكن أبناء مجتمعنا لا تستطيع طرح عشر جمل مفهومة المعنى سلسة التعبير دون تعقيد وتفخيم، هي دعوة لفتح العيون والقلوب، لا تقتلوا لغتكم رسالة لكل معلم ومعلمة، لكل أب وأم ما أكثر الجهل الحديث المغطى بطبقات الألًوان الزاهية التي تخفي تحتها قُبح الواقع، يا ألم لن يتوقف حتى نصحو من سبات أحلام اليقظة.